الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
218
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وتاء الخطاب في سَأَلْتَهُمْ للنبي صلى اللّه عليه وسلّم وهو ظاهر سياق التسلية ، أو يكون الخطاب لغير معيّن ليعمّ كل مخاطب يتصور منه أن يسألهم . و الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ هو اللّه تعالى . وليس ذكر الصفتين العليتين من مقول جوابهم وإنما حكي قولهم بالمعنى ، أي ليقولن خلقهنّ الذي الصفتان من صفاته ، وإنما هم يقولون : خلقهن اللّه ، كما حكي عنهم في سورة لقمان [ 25 ] و لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ . وذلك هو المستقرى من كلامهم نثرا وشعرا في الجاهلية . وإنما عدل عن اسم العليّ إلى الصفتين زيادة في إفحامهم بأن الذي انصرفوا عن توحيده بالعبادة عزيز عليم ، فهو الذي يجب أن يرجوه النّاس للشدائد لعزّته وأن يخلصوا له باطنهم لأنه لا يخفى عليه سرّهم ، بخلاف شركائهم فإنها أذلّة لا تعلم ، وإنهم لا ينازعون وصفه ب الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ . وتخصيص هاتين الصفتين بالذكر من بين بقية الصفات الإلهية لأنها مضادة لصفات الأصنام فإن الأصنام عاجزة عن دفع الأيدي . والتقدير : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولنّ اللّه ، وإن سألتهم : أهو العزيز العليم . [ 10 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 10 ] الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 10 ) هذا كلام موجه من اللّه تعالى ، هو تخلّص من الاستدلال على تفرده بالإلهية بأنه المنفرد بخلق السماوات والأرض إلى الاستدلال بأنه المنفرد بإسداء النعم التي بها قوام أود حياة الناس . فالجملة استئناف حذف منها المبتدأ ، والتقدير : هو الذي جعل لكم الأرض مهادا . وهذا الاستئناف معترض بين جملة وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ الزخرف : 9 ] الآية وجملة وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً [ الزخرف : 15 ] الآية . واسم الموصول خبر لمبتدأ محذوف تقديره : هو الذي جعل لكم وهو من حذف المسند إليه الوارد على متابعة الاستعمال في تسمية السكاكي حيث تقدم الحديث عن اللّه تعالى فيما قبل هذه الجملة . واجتلاب الموصول للاشتهار بمضمون الصلة فساوى الاسم العلم في الدلالة .